محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

14

الإنجاد في أبواب الجهاد

الله - تعالى - : { كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ } [ النساء : 135 ] ، وقال - سبحانه - : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [ الأعراف : 199 ] . ومنها : أن تكون له قوة في نفسه ، وحالة يأمن معها أن يُسْطَاع ذلك ، فإن لم يكن كذلك لم يجب عليه ، لكنه إن فعل صابراً محتسباً قيامه في ذلك عند الله - عز وجل - : صحَّ ، وكان مأجوراً . قال الله - عز وجل - : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ } [ البقرة : 207 ] ، وقال - تعالى - : { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ لقمان : 17 ] . وخرَّج الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « إن من أعظم الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائر » ( 1 ) ، قال فيه : حسن غريب .

--> = وما يليق في مثله ، ويؤدّي إلى إزالة فعله ، قال الله - تعالى - في صفة القوم يحبهم ويحبونه ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم : { ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } » . ثم نقل - رحمه الله - عن شيخه المشتهر بابن أبي درقة - رحمه الله - قال : « كنت مرَّةً في غرَّة الشباب ، ومبادي الطلب ، فتشاغلت عن إحدى صلاتي العشاء إلى أن شارفت الفوات ، فأتيت عَجِلاً إلى بعض المساجد ، واعتمدت بعض زواياه ، فصلّيتها مبادراً متجوّزاً في بعض أركانها ، وإذا بعض الشّيوخ يسارقني النَّظر ، بحيث لم أشعر به ، فلمّا أتممت صلاتي ، وهممت بالانصراف استدعاني ، فأتيته ، فسألني قليلاً ، ثم قال : يا بنيّ ، رجلٌ تسلّف دراهم إلى وقتٍ ، فلمّا حلّ الأجل ، والغريم موسر قادرٌ على الأداء ، تهاون بذلك واستخفّ ، ولم يزل يتراخى به إلى أن استحق ذمّ التأخير ، ثم أتاه بها بعد ذلك ناقصةً ، زيُوفاً ، فجميعٌ بين جنسي الإساءة في القضاء ، فهل يكون لهذا حظٌّ في القبول ؟ فما أتم كلامه حتى فهمت مقصده وتعريضه بما فعلت في صلاتي ، فخجلت ، ثم قلت له : فهمت يا عمّ ، فما زاد على أن قال : قم يا بنيّ بارك الله فيك ، فعدت لإتمام صلاتي ، وأثّر ذلك عندي خير تأثير » . ثم قال : « فهذا النوع من الرِّفق والتلطّف في التّعليم بحسب فهم صاحب النّازلة وما يليق به ، أوقع في النفوس وأقرب إلى الإجابة من كثير من العنف والشِّدَّة » . ( 1 ) أخرجه الترمذي في « الجامع » ( رقم 2174 ) ، وأبو دواد في « سننه » ( رقم 4344 ) ، وابن ماجة في « سننه » ( رقم 4011 ) ، والخطيب في « التاريخ » ( 7 / 238 ) ، والمزي في « تهذيب الكمال » ( 17 / 405 ) من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، به . وفيه زيادة عند أبي داود ، والخطيب : « أو أمير جائر » . وقال الترمذي : « حسن غريب من هذا =